الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
138
نفحات الولاية
أجل إنّ ذلكم وهوانكم إنّما أفرزه شقاقكم وفرقتكم . إنّكم متحدون ظاهراً ، مختلفون باطناً ، وهذا ما أدى بكم إلى الاكتفاء بالأقوال الطنانة الرنانة بدلًا من الأفعال والأعمال ؛ الأمر الذي يؤدي إلى تآكل المجتمعات وانهيارها إذا ما عاشت هذه الحالة « تقولون في المجالس : كيت وكيت « 1 » ، فإذا جاء القتال قلتم : حيدي حياد « 2 » » . فالواقع هذه بعض الصفات البارزة للمنافقين والأفراد الضعاف النفس المسلوبي الإرادة الذين يكثرون الحديث في المجالس الخاصة والعامة ويستعرضون معاني الشجاعة والبسالة والعزم والإرادة الراسخة ، وكأن قدرة هؤلاء لا تتجاوز هذه الأحاديث ، فإذا وردوا ميدان القتال استحوذ عليهم الخوف والهلع وكأنّهم يصرخون ، إليك عنّا أيّها القتال فارقنا وابتعد ، بل هم مرعبون من ميدان الحرب والقتال ويختلقون مختلف الأعذار للفرار من الميدان . والعبارة « حيدي حياد » من مادة حيد بمعنى الميل والانحراف عن الشيء وتقابلها العبارة « فيحي فياح » بمعنى الرغبة في الشيء . ولعل المخاطب بالعبارة « حيدي حياد » الجنود والمقاتلون الذين تدعوهم عناصر النفاق والانهزام إلى اعتزال الميدان ، وعلى العكس من ذلك دعوة عناصر القوة والاقتدار إلى القتال بقولها « فيحي فياح » . كما يحتمل أن يكون المراد قولهم للمعركة ابتعدي عنا ؛ الأمر الذي يكشف عمق خوفهم من قتال العدو ، كما يمكن أن يكون المراد أنّهم كانوا يخاطبون أنفسهم بهذه العبارة بغية الاسراع في الابتعاد والاعتزال . وما أشبه هذه الطائفة المنافقة بمنافقي عصر الرسالة الذين صورتهم سورة الأحزاب : « قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إِلّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ
--> ( 1 ) « كيت وكيت » من مادة « تكييت » بمعنى اعداد جهاز الناقة أو ملأ ظرف الماء ، إلّاأنّ العبارة كيت وكيت تستعمل حيث يريد الفرد عمل كل شيء عن طريق الكلام ، وهما كلمتان لا تستعملان إلّامكررتين ككناية عن الحديث . ( 2 ) « حيدي حياد » : صيغة فعل أمر من مادة « حيود » كنزال بمعنى أنزل ، وهى كلمة يقولها الهارب عند الفرار والكتمان تأكيد لإحداهما الأخرى حيث تعني الميل والانحراف عن الشيء .